محمد سعيد رمضان البوطي

111

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

معجزات كثيرة على يديه ، لا مناص من قبولها ولا مجال لردها ، لأنها نقلت إلينا بالأسانيد الصحيحة المتواترة التي ترتقي بالفكر والعقل إلى درجة القطع واليقين . فمن ذلك حديث نبع الماء من بين أصابعه الشريفة ، أخرجه البخاري في كتاب الوضوء ، ومسلم في كتاب الفضائل ، ومالك في الموطأ في كتاب الطهارة . وغيرهم من أئمة الحديث بطرق مختلفة كثيرة ، حتى نقل الزرقاني عن القرطبي قوله : « إن نبع الماء من بين أصابعه صلّى اللّه عليه وسلم تكرر في عدة مواطن في مشاهد عظيمة ، وورد من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي » « 25 » . ومن ذلك حديث انشقاق القمر على عهده صلّى اللّه عليه وسلم حينما سأله المشركون ذلك ، فقد أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء ، وأخرجه مسلم في كتاب صفة القيامة ، وأخرجه غيرهما من عامة علماء الحديث . وقال ابن كثير : « وقد وردت بذلك الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة . . » . وهذا أمر متفق عليه بين العلماء : أنه وقع في زمان النّبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات « 26 » . ومن ذلك حديث الإسراء والمعراج الذي نسوق هذا البحث بمناسبته ، وهو حديث متفق عليه لا تنكر قطعية ثبوته . وهو بإجماع جماهير المسلمين من أبرز معجزاته . ومن العجيب أن هؤلاء الذين لا يفتأون يروجون صفة العبقرية ، والعبقرية وحدها للرسول صلّى اللّه عليه وسلم ويبعدون اسم المعجزات والخوارق عن حياته يتجاهلون هذه الأحاديث المتواترة التي بلغت من الصحة درجة القطع ، فلا يتحدثون عنها سلبا ولا إيجابا كأن كتب الحديث غير ممتلئة بها ، يعدّ لكل منها ما قد يزيد على عشرة طرق . ومن الواضح أن سبب هذا التجاهل هو التهرب من الإشكال العويص الذي سيواجهونه لدى النظر في هذه الأحاديث : إذ هي تناقض في خط صريح واضح النظرية التي تطوف برؤوسهم « 27 » . ثالثا : المعجزة ؛ كلمة لا يوجد لها معنى ذاتي عند التأمل والتدبّر ، وما يراد بها إنما هو معنى نسبي مجرد . فالمعجزة فيما تواضع عليه اصطلاح الناس كل أمر خارج على المألوف والعادة . وكل من المألوف يتطور بتطور الأزمنة والعصور ، ويختلف باختلاف الثقافات والمدارك والعلوم . فربّ

--> ( 25 ) راجع الزرقاني على الموطأ : 1 / 65 ( 26 ) راجع تفسير ابن كثير : 4 / 261 ( 27 ) من هؤلاء صاحب ( حياة محمد ) فقد ترنح ترنحا غريبا ، وهو يحاول أن يفر من إلزامات هذه الأحاديث وأمثالها . كي لا يعكر على نفسه صفو نظريته الخيالية عن محمد .